الاقتصاد السياسي لبناء السلام في سورية ما بعد الأسد

دروس مقارنة من تجارب ما بعد النزاع (1990-2025) وآفاق العقد الاجتماعي السوري الجديد

إعداد / أيهم اسماعيل

باحث اقتصادي

ملخص تنفيذي

تستكشف هذه الدراسة العلاقة الحاسمة بين الاقتصاد السياسي واستدامة السلام في المجتمعات الخارجة من النزاع، مع تطبيق خاص على الحالة السورية في مرحلة ما بعد الأسد. تنطلق الأطروحة من فرضية محورية: الاقتصاد ليس نتيجة لاحقة للسلام، بل بنيته التحتية الأساسية وشرطه التأسيسي. من خلال تحليل مقارن معمّق لتجارب ما بعد النزاع منذ التسعينيات – تشمل رواندا، موزمبيق، البوسنة، العراق، جنوب السودان، وليبيا – تكشف الدراسة أن السلام الدائم يُبنى عبر قرارات اقتصادية يومية تعيد تشكيل العلاقة بين الدولة والمجتمع، وليس فقط عبر اتفاقيات سياسية.

تُظهر الدراسة أن التجارب الناجحة نسبياً اتسمت بأولويات واضحة: الاستقرار النقدي المبكر، التشغيل الواسع النطاق، بناء المؤسسات المالية، والمساءلة الاقتصادية. في المقابل، أخفقت تجارب أخرى بسبب الاعتماد على الريع، غياب العمود الفقري المالي، أو التفكك الاقتصادي غير المنضبط. بالنسبة لسورية، تقدم الدراسة إطاراً تحليلياً لفهم التحديات الاقتصادية الراهنة – من انهيار العملة إلى البطالة الواسعة – وتطرح مقاربة لبناء عقد اجتماعي جديد قائم على الاستخلاص الشرعي، التوزيع القابل للتنبؤ، والتشغيل بوصفه حقاً اقتصادياً.

1. مقدمة: لماذا يبدأ السلام من الاقتصاد؟

عندما تتوقف الحروب، لا تنتقل المجتمعات تلقائياً من العنف إلى الاستقرار. ما يحدث فعلياً هو انتقال من عنف منظم إلى فراغ منظم جزئياً. في هذا الفراغ، تصبح القرارات الاقتصادية اليومية – الأجور، الأسعار، الدعم، فرص العمل – هي اللغة التي تتحدث بها الدولة الجديدة مع مواطنيها.

يوضح يوهان غالتونغ، أحد أبرز منظّري دراسات السلام، أن السلام الحقيقي لا يُقاس بغياب الرصاص، بل بغياب العنف البنيوي – ذلك العنف الصامت الذي يمنع الناس من عيش حياة كريمة (Galtung, 1969). ويذهب باحثو الاقتصاد السياسي خطوة أبعد، معتبرين أن العنف يعود حين تفشل الدولة في إعادة تنظيم الوصول إلى الموارد والفرص بشكل مقبول اجتماعياً (North, Wallis & Weingast, 2009).

بعبارة أخرى، السلام ليس اتفاقاً سياسياً فقط، بل عقداً اقتصادياً جديداً. هذا العقد لا يُكتب في الدساتير وحدها، بل في أسواق العمل، وفي أسعار الخبز، وفي قدرة الناس على التخطيط للمستقبل. من هنا، تصبح دراسة تجارب الدول الخارجة من الحروب منذ 1990 ضرورة لفهم ما ينتظر سورية، لا بوصفها حالة استثنائية، بل بوصفها حالة متأخرة في مسار عالمي متكرر.

2. الإطار النظري: من السلام السلبي إلى السلام الإيجابي

2.1 التمييز المفاهيمي: السلام بوصفه غياباً أم بوصفه بناءً؟

لا تمثل نهاية العمليات العسكرية نهاية النزاع بالمعنى البنيوي. فالأدبيات الكلاسيكية في دراسات السلام تميّز بوضوح بين السلام السلبي (غياب العنف المباشر) والسلام الإيجابي (وجود نظم سياسية واقتصادية واجتماعية عادلة وقابلة للاستدامة) كما صاغه يوهان غالتونغ منذ أواخر الستينيات.

في هذا الإطار، يُنظر إلى الاقتصاد لا بوصفه قطاعاً تقنياً تابعاً للسياسة، بل بوصفه المجال الحاسم الذي تُختبر فيه مصداقية الانتقال السياسي برمّته. فالدولة الخارجة من نزاع مسلح مطالَبة بإعادة تنظيم ثلاث علاقات مركزية في وقت واحد: علاقتها بالمجتمع (الشرعية)، علاقتها بالموارد (الاستخلاص والتوزيع)، وعلاقتها بالعنف (الاحتكار المشروع للقوة).

2.2 الاقتصاد السياسي المؤسسي ونظرية العقد الاجتماعي

يؤكد دوغلاس نورث وزملاؤه في عملهم المرجعي (Violence and Social Orders) أن المجتمعات الخارجة من العنف تواجه خياراً بنيوياً بين إعادة إنتاج ‘نظام الوصول المحدود’ القائم على الريع والنخب، أو الانتقال التدريجي نحو نظام مؤسسي أوسع يقوم على القواعد والمساءلة (North, Wallis & Weingast, 2009).

من هذا المنظور، فإن سؤال ‘هل سينجح السلام؟’ هو في جوهره سؤال اقتصادي-سياسي: هل سينجح النظام الجديد في بناء اقتصاد يولّد دخلاً وفرصاً وشرعية، أم سيعيد إنتاج أنماط الإقصاء والاستخلاص التي غذّت النزاع؟

تشير نظرية تشارلز تيلي إلى أن الدولة تُبنى عبر التفاوض على الضرائب والخدمات والحماية (Tilly, 1992). وفي مرحلة ما بعد النزاع، يُعاد هذا التفاوض من الصفر تقريباً. في سورية، يعني العقد الاجتماعي الجديد الانتقال من دولة تعتمد على القمع والريع إلى دولة تقوم على استخلاص شرعي، توزيع قابل للتنبؤ، ومساءلة سياسية واقتصادية.

3. سورية بعد الأسد: تشريح الاقتصاد السياسي للسنة الأولى

3.1 اقتصاد مدمَّر لا متراجع: حجم الانهيار البنيوي

الاقتصاد السوري اليوم ليس اقتصاداً ‘منكمشاً’ بالمعنى التقليدي، بل اقتصاد أُفرغ من وظائفه الأساسية. تشير تقديرات البنك الدولي في تقريره ‘مرصد سورية الاقتصادي ربيع 2024’ إلى أن الاقتصاد السوري شهد أحد أعمق الانهيارات في العصر الحديث. فقد تقلص الناتج المحلي الإجمالي بأكثر من 85% منذ عام 2010، وتراجعت القدرة الشرائية الحقيقية للأسر بشكل كارثي (World Bank, 2024).

هذا الانهيار لا يعكس مجرد تراجع دوري، بل تفككاً هيكلياً في آليات الإنتاج، والتبادل، والاستخلاص المالي. فوفق تقارير البنك الدولي، لم يقتصر الانهيار على الناتج المحلي، بل طال القدرة الإنتاجية، شبكات التوريد، رأس المال البشري، والعلاقة بين الدولة والمجتمع. هذا التفكك يعني أن التعافي لن يكون تلقائياً حتى مع تحسن الظروف السياسية.

3.2 العملة كمرآة للثقة السياسية

في مراحل ما بعد النزاع، تتحول العملة إلى مؤشر سياسي بامتياز. تلعب العملة دوراً رمزياً ومادياً في آن واحد، فهي ليست فقط أداة تبادل، بل مؤشر على قدرة الدولة على الالتزام. ضعف الليرة السورية لا يعكس فقط نقص الاحتياطي أو الإنتاج، بل غياب التوقعات المستقرة. الناس لا تعرف ماذا سيكون سعر الخبز بعد شهر، ولا إن كانت الأجور ستكفي أسبوعاً.

تشير دراسات ما بعد النزاع إلى أن فقدان القدرة على التنبؤ الاقتصادي يدفع الأفراد إلى الانسحاب من الاقتصاد الرسمي، ما يُضعف الدولة أكثر (Collier et al., 2003). التضخم المزمن في مراحل الانتقال السياسي يقوّض السلام عبر ثلاث قنوات: تآكل الدخول الثابتة، تعزيز الاقتصاد غير الرسمي، وإضعاف قدرة الدولة على الجباية.

3.3 الفقر بوصفه خطراً سياسياً مباشراً

الفقر الواسع في سورية ليس مجرد قضية اجتماعية، بل عامل عدم استقرار سياسي مباشر. تُظهر بيانات برنامج الغذاء العالمي أن 12.9 مليون شخص يعانون من انعدام الأمن الغذائي في سورية، بينهم 3.1 مليون يعانون من انعدام الأمن الغذائي الشديد، مع ارتباط مباشر بين الفقر والتوترات المحلية (WFP, 2024).

يُعد هذا الوضع مثالاً واضحاً على ما يسميه باحثو السلام ‘الهشاشة المركّبة’، حيث تتفاعل الصدمات الاقتصادية مع الانقسامات الاجتماعية لتقويض الاستقرار (Walter, 2015). فحيث تتقاطع البطالة مع انعدام الأمن الغذائي، تنشأ بيئات حاضنة للعنف أو الاقتصاديات غير الرسمية.

3.4 الدولة الانتقالية: بين التفكيك والبناء

السلطات الانتقالية تواجه مفارقة معقدة: تفكيك اقتصاد النظام السابق دون تدمير ما تبقى من القدرة الإدارية. في السنة الأولى بعد الأسد، تواجه السلطات الانتقالية تحدياً مزدوجاً – تفكيك شبكات الاقتصاد السياسي الإقصائي التي بناها النظام السابق، وبناء مؤسسات بديلة قادرة على الإنتاج الشرعي والتوزيع العادل.

كثير من الدول فشلت في هذا التوازن، فإما أبقت شبكات قديمة، أو دمّرت الجهاز دون بديل. تحذّر الأدبيات من أن هذه المرحلة هي الأخطر، إذ تتراجع أنماط السيطرة القديمة قبل أن تتبلور قواعد جديدة، ما يخلق فراغاً يمكن أن تملأه قوى غير رسمية أو اقتصاديات عنف (North et al., 2009).

4. دراسات الحالة الناجحة نسبياً: كيف خدم الاقتصاد السلام؟

يُظهر تحليل التجارب ‘الناجحة نسبياً’ أن السلام لم يُبنَ عبر لحظة فاصلة، بل عبر سلسلة قرارات اقتصادية صغيرة لكنها متراكمة، أعادت تنظيم العلاقة بين الدولة والمجتمع. هذه الحالات لم تكن مثالية، لكنها نجحت في منع الانزلاق مجدداً إلى العنف.

4.1 رواندا: حين يصبح الانضباط بديلاً عن التوافق

عندما انتهت الإبادة الجماعية عام 1994، لم تكن رواندا فقط دولة فقيرة، بل دولة مفككة وظيفياً. أكثر من نصف الكوادر الإدارية قُتلت أو فرت، وتلاشت الثقة الاجتماعية، وتحولت الزراعة – عماد الاقتصاد – إلى قطاع مشلول. ما يميز تجربة رواندا ليس فقط سرعة النمو، بل وضوح التسلسل السياسي-الاقتصادي.

ما يميز رواندا ليس سرعة التعافي، بل المنطق الذي حكم ترتيب الأولويات. لم تسعَ الدولة إلى مصالحة اقتصادية شاملة فوراً، ولم تطلق برامج خصخصة واسعة، بل ركزت على هدف واحد: إعادة القدرة على التنبؤ. فالدولة لم تعد المجتمع بالديمقراطية أولاً، بل بالاستقرار والنتائج. هذا الخيار كان مثيراً للجدل، لكنه فعال اقتصادياً.

القيادة الرواندية فهمت أن أخطر حالات ما بعد النزاع هي عدم اليقين. لذلك، تم قامت بـ: ضبط صارم للسياسة النقدية، مركزية شديدة لإدارة المالية العامة، وإخضاع المساعدات الدولية لخطط الدولة لا العكس. يوضح البنك الدولي أن مركزية إدارة المساعدات، وضبط المالية العامة، أسهما في خلق ‘توقعات مستقرة’ لدى الفاعلين الاقتصاديين، وهو عنصر أساسي في استعادة الاستثمار (World Bank, 2020).

هذا النهج خلق ما يسميه نورث وزملاؤه ‘نقطة التوازن المؤسسي’، حيث يصبح الامتثال للقواعد أقل كلفة من خرقها. المواطن لم يشعر بحرية سياسية واسعة، لكنه شعر بتحسن ملموس في الخدمات، والدخل الزراعي، والبنية الأساسية. هذا خلق ما يسميه علماء السياسة ‘شرعية الأداء’، حيث يقبل المجتمع بالقيود السياسية مقابل تحسن ملموس في الحياة اليومية.

الدلالة لسورية: من منظور الاقتصاد السياسي، عوّضت الدولة نقص التعددية السياسية بقدرة تنفيذية عالية، ما سمح بتحقيق نتائج ملموسة للمواطنين. في المدى القصير، قد يكون بناء القدرة التنفيذية والانضباط الاقتصادي أهم من توسيع التعددية الشكلية غير القابلة للتطبيق.

4.2 موزمبيق: الاقتصاد اليومي كأداة لمنع العودة للحرب

على عكس رواندا، لم تمتلك موزمبيق دولة قوية بعد اتفاق السلام عام 1992. المؤسسات كانت هشة، والبيروقراطية محدودة، لكن المقاربة الاقتصادية كانت واضحة في بساطتها: إعادة الناس إلى العمل بأسرع وقت ممكن. موزمبيق لم تمتلك دولة قوية بعد الحرب، لكنها امتلكت فلسفة واضحة – الناس بحاجة إلى عمل قبل أن يحتاجوا إلى مؤسسات مثالية.

ركزت الدولة على: إعادة فتح الأراضي الزراعية، برامج كثيفة العمالة في البنية التحتية الريفية، ودعم التجارة المحلية الصغيرة. إعادة فتح الحقول، إصلاح الطرق الريفية، وتشغيل آلاف الأشخاص في مشاريع بسيطة خلق شبكة أمان اجتماعية غير رسمية. هذا خفف من احتمالات التعبئة المسلحة، حتى في ظل ضعف الحكم.

لم تنتظر الحكومة إصلاحاً مؤسسياً شاملاً، بل تعاملت مع التشغيل بوصفه سياسة أمنية غير معلنة. هذا ما تؤكده أعمال كوليير، الذي يربط بين انخفاض البطالة وانخفاض احتمالات العودة إلى النزاع. تؤكد دراسات البنك الدولي أن هذا النهج خفّض احتمالات العودة إلى الحرب رغم ضعف المؤسسات (World Bank, 2016). صحيح أن النمو كان غير متوازن، وأن الفوارق الاجتماعية بقيت قائمة، لكن السلام صمد.

الدلالة لسورية: التشغيل الواسع ليس نتيجة للسلام، بل أحد شروطه الأساسية. إعادة إحياء الزراعة، والصناعات الصغيرة، والخدمات المحلية ليست ‘حلولاً مؤقتة’، بل أدوات سلام. الاقتصاد المحلي والزراعة والصناعات الصغيرة ليست ‘حلولاً مؤقتة’ في انتظار المشاريع الكبرى – بل هي أدوات سلام بحد ذاتها.

4.3 البوسنة: السلام الذي توقف عند إعادة الإعمار

في البوسنة، نجحت إعادة الإعمار المادي لكنها فشلت في إعادة هيكلة الاقتصاد السياسي. أعادت المساعدات الدولية بناء المدن، لكنها لم تعِد بناء الاقتصاد. السبب لم يكن نقص المال، بل غياب رؤية اقتصادية سياسية مشتركة. فقد قُيّدت السياسات الاقتصادية بانقسامات دستورية، ما أعاق نشوء قطاع خاص ديناميكي.

النظام السياسي المعقد حمى السلام، لكنه شلّ الاقتصاد. يصف رولان باريس هذه الحالة بأنها مثال على ‘بناء السلام الليبرالي دون اقتصاد سياسي’، حيث تُفرض نماذج مؤسسية دون معالجة علاقات القوة الفعلية (Paris, 2004). وهنا يظهر درس مهم: الاستقرار السياسي لا يكفي إن كان يعطّل اتخاذ القرار الاقتصادي.

الدلالة لسورية: أي تسوية سياسية تُقيّد الاقتصاد باسم التوازن قد تنتج سلاماً بلا مستقبل.

5. دراسات الفشل: كيف يقوّض الاقتصاد السلام؟

5.1 العراق: حين يصبح الريع بديلاً عن المواطنة

أظهر العراق بعد 2003 أن الوفرة المالية لا تعني الاستقرار. في العراق، استخدمت الدولة النفط لشراء الاستقرار عبر الرواتب والدعم، لا عبر الإنتاج. هذا خلق مواطنين مرتبطين بالدولة كصاحب عمل، لا كطرف في عقد اجتماعي. فالاعتماد على النفط، وتضخم التوظيف الحكومي، وغياب المساءلة، أدت إلى اقتصاد ريعي هش.

حين تراجعت الموارد أو اهتزت الثقة، لم يكن هناك اقتصاد حقيقي يمتص الصدمة. ويشير مايكل روس إلى أن الريع يقلل من ارتباط الدولة بالمجتمع، ما يضعف العقد الاجتماعي (Ross, 2012).

الدلالة لسورية: أي نموذج يعتمد على تحويلات أو موارد خارجية دون إنتاج داخلي سيؤدي إلى هشاشة مزمنة.

5.2 جنوب السودان: السلام بلا دولة

جنوب السودان مثال صارخ على أن الاستقلال السياسي لا يعني قيام دولة. في جنوب السودان، أدى غياب مؤسسات مالية إلى تفكك سريع للدولة. غياب الجباية، الميزانية، والمؤسسات المالية جعل الدولة عاجزة عن أداء أبسط وظائفها. النتيجة كانت عودة سريعة للعنف. السلام دون قدرة جباية وتنظيم إنفاق هو سلام هش بطبيعته (World Bank, 2018).

الدلالة لسورية: لا يمكن للسلام أن يستمر دون عمود فقري مالي.

5.3 ليبيا: الاقتصاد بوصفه امتداداً للنزاع

في ليبيا، لم يتوقف النزاع بل تغيّر شكله. في ليبيا، تحولت اللامركزية غير المنضبطة إلى تنافس اقتصادي بين المجموعات المسلحة، ما يؤكد أن اللامركزية ليست بديلاً عن الدولة (World Bank, 2021). فاللامركزية تحوّلت هنا إلى صراع على الموارد والمنافذ. الاقتصاد لم يكن أداة سلام، بل ساحة حرب أخرى.

الدلالة لسورية: اللامركزية دون تنظيم اقتصادي وطني خطر وجودي.

6. نحو عقد اجتماعي اقتصادي جديد في سورية

6.1 لماذا لا يمكن ترميم العقد الاجتماعي القديم؟

لم يكن العقد الاجتماعي في سورية قبل الحرب عقداً بالمعنى الكلاسيكي، بل ترتيباً قسرياً يقوم على ثلاث ركائز: القمع السياسي، والريع الاقتصادي، وتسييس الوصول إلى الموارد. العقد الاجتماعي في سورية ما بعد الأسد لا يمكن أن يكون نسخة معدلة من السابق. لا القمع ولا الريع قابلان للاستدامة.

هذا الترتيب لم يكن مستقراً حتى في سنوات ‘الاستقرار الظاهري’، بل كان هشاً بطبيعته، لأن الدولة لم تكن تستمد شرعيتها من الأداء الاقتصادي أو التمثيل، بل من احتكار العنف. تشير نظريات العقد الاجتماعي الحديثة إلى أن الشرعية لا تُستعاد عبر العودة إلى أنماط قديمة، بل عبر إعادة تعريف العلاقة بين الدولة والمجتمع على أسس مادية قابلة للتحقق (Tilly, 1992; North et al., 2009).

6.2 العقد الاجتماعي بوصفه تبادلاً مادياً لا خطاباً سياسياً

في المجتمعات الخارجة من النزاع، لا تُبنى الثقة عبر الشعارات أو الوعود الدستورية، بل عبر تجارب يومية متكررة. حين يدفع المواطن ضريبة، أو رسماً، أو حتى يقبل بارتفاع سعر، فهو يدخل في علاقة تبادلية مع الدولة. فإن لم يرَ مقابلاً واضحاً، تتآكل الشرعية بسرعة.

يؤكد تشارلز تيلي أن الدولة الحديثة لم تُبنَ عبر النوايا الحسنة، بل عبر تفاوض طويل على الضرائب والخدمات والحماية. وفق تيلي، الدولة تُبنى عبر تبادل: ضرائب مقابل خدمات وحماية. في سورية، هذا التبادل انقطع لعقود. في مرحلة ما بعد النزاع، يُعاد هذا التفاوض من نقطة الصفر تقريباً.

في سورية، لا يمكن بناء عقد اجتماعي جديد دون الإجابة على أسئلة بسيطة لكنها حاسمة: ما الذي تدفعه الدولة؟ ما الذي يحصل عليه المواطن؟ ما الذي يحدث عندما تفشل الدولة في الوفاء بالتزاماتها؟ إعادة بنائه تتطلب: نظام جباية عادل، إنفاق شفاف، وفرص اقتصادية حقيقية.

6.3 مكونات العقد الاجتماعي الاقتصادي

أولاً: الاستخلاص الشرعي. لا يمكن لدولة أن تبني اقتصاد سلام دون قدرة جباية، لكن الجباية في سياق ما بعد النزاع يجب أن تكون بسيطة، متوقعة، وعادلة. الجباية المعقدة أو التمييزية تُفسَّر اجتماعياً كامتداد للابتزاز، لا كالتزام مدني. لذلك، يشكّل نظام ضرائب محدود النطاق وواضح القواعد حجر الأساس لأي عقد اجتماعي جديد.

ثانياً: التوزيع القابل للتنبؤ. لا تتطلب الشرعية توزيعات سخية، بل توزيعات مفهومة. حين يعرف المواطن متى يحصل على خدمة، أو دعم، أو أجر، تنخفض مستويات القلق الاجتماعي. تشير دراسات ما بعد النزاع إلى أن عدم اليقين في التوزيع أخطر من ضعف التوزيع نفسه (Walter, 2015).

ثالثاً: التشغيل بوصفه حقاً اقتصادياً. في العقد الاجتماعي الجديد، لا يُنظر إلى العمل كامتياز تمنحه الدولة، بل كحق اقتصادي. الدولة لا تخلق كل الوظائف، لكنها تخلق البيئة التي تجعل العمل ممكناً. هذا يتطلب حماية الملكية الصغيرة، تسهيل المبادرات المحلية، وتخفيف القيود الإدارية التي تعيق النشاط الاقتصادي.

رابعاً: المساءلة الاقتصادية قبل السياسية. في مراحل الانتقال، قد تتأخر المساءلة السياسية الكاملة، لكن المساءلة الاقتصادية يمكن أن تبدأ فوراً: أين تُنفق الموارد؟ من يستفيد؟ لماذا؟ تجارب رواندا وموزمبيق تُظهر أن المساءلة الاقتصادية اليومية قد تؤدي وظيفة تهدئة النزاع حتى قبل اكتمال التحول السياسي.

6.4 اللامركزية الاقتصادية: تمكين أم تفكك؟

اللامركزية في سورية ضرورة واقعية، لكنها سلاح ذو حدين. تؤكد تجارب ليبيا والبوسنة أن اللامركزية دون قواعد اقتصادية وطنية واضحة تؤدي إلى تنافس صفري بين المناطق، ازدواجية في الأنظمة، وصراعات على الموارد.

العقد الاجتماعي الجديد يتطلب لامركزية تنفيذية ضمن مركزية قواعدية: المركز يحدد القواعد، والمناطق تنفذ وفق احتياجاتها. الاقتصاد المحلي يحتاج صلاحيات حقيقية ضمن إطار وطني.

7. الطريق إلى الأمام: توصيات استراتيجية

التحليل المقارن يقود إلى استنتاجات واضحة وتوصيات عملية للحالة السورية:

أولاً: الاستقرار النقدي أولوية سيادية. الاستقرار النقدي ليس خياراً تقنياً، بل شرط سلام. بدون سياسة نقدية ذات مصداقية، لا يمكن بناء استثمار أو ثقة أو تخطيط.

ثانياً: التشغيل قبل الإعمار الاستعراضي. الوظائف ليست نتيجة التعافي، بل محركه. الوظائف البسيطة واسعة النطاق أكثر أثراً من المشاريع الكبرى المحدودة الأثر الاجتماعي.

ثالثاً: المساعدات عبر المؤسسات لا حولها. المساعدات يجب أن تبني الدولة، لا أن تحل محلها. تجاوز الدولة يضعفها ويقوّض السلام.

رابعاً: بناء قدرة جباية عادلة. الدولة التي لا تجمع الموارد لا تستطيع حماية السلام.

خامساً: لامركزية منضبطة. الاقتصاد المحلي يحتاج صلاحيات حقيقية ضمن إطار وطني. الشرعية تُبنى من الدخل، لا من الخطاب. تمكين محلي ضمن إطار وطني موحّد.

8. خاتمة: الاقتصاد كلغة السلام

تُظهر التجربة المقارنة أن السلام لا يُكتب في الاتفاقيات وحدها، بل في الميزانيات، وسوق العمل، والأسعار، والخدمات اليومية. اقتصادات ما بعد الحرب لا تنهار فجأة، بل تتآكل بصمت. نادراً ما تفشل اقتصادات ما بعد الحرب بانفجار مفاجئ. غالباً ما تنهار ببطء: أجور لا تُدفع، أسواق لا تعمل، ودولة بلا موارد. حين لا يجد الناس عملاً، ولا يفهمون الأسعار، ولا يثقون بالمؤسسات، يبدأ السلام بالتآكل.

تكشف المقارنة أن الاقتصاد هو اللغة التي يُكتب بها السلام. في مراحل ما بعد النزاع، الاقتصاد ليس تابعاً للسياسة، بل لغتها الأساسية، و بنيته التحتية العميقة، و لغتها الأكثر صدقاً. سورية اليوم تكتب السطر الأول من هذه اللغة.

المراجع

Collier, P., Elliott, V. L., Hegre, H., Hoeffler, A., Reynal-Querol, M., & Sambanis, N. (2003). Breaking the Conflict Trap: Civil War and Development Policy. Washington, DC: World Bank and Oxford University Press. Available at: https://openknowledge.worldbank.org/handle/10986/13938

Galtung, J. (1969). Violence, Peace, and Peace Research. Journal of Peace Research, 6(3), 167-191. Available at: https://www.jstor.org/stable/422690

North, D. C., Wallis, J. J., & Weingast, B. R. (2009). Violence and Social Orders: A Conceptual Framework for Interpreting Recorded Human History. Cambridge: Cambridge University Press. Available at: https://doi.org/10.1017/CBO9780511575839

Paris, R. (2004). At War’s End: Building Peace after Civil Conflict. Cambridge: Cambridge University Press. Available at: https://doi.org/10.1017/CBO9780511790836

Ross, M. L. (2012). The Oil Curse: How Petroleum Wealth Shapes the Development of Nations. Princeton: Princeton University Press. Available at: https://press.princeton.edu/books/paperback/9780691159638/the-oil-curse

Tilly, C. (1992). Coercion, Capital, and European States, AD 990-1992. Cambridge, MA: Blackwell. Available at: https://www.wiley.com/en-us/Coercion%2C+Capital%2C+and+European+States%2C+AD+990+1992-p-9781557863683

Walter, B. F. (2015). Why Bad Governance Leads to Repeat Civil War. Journal of Conflict Resolution, 59(7), 1242-1272. Available at: https://doi.org/10.1177/0022002714528006

World Bank. (2016). Mozambique Systematic Country Diagnostic: Pathways to Growth and Poverty Reduction. Washington, DC: World Bank Group. Available at:  https://openknowledge.worldbank.org/entities/publication/35d68a07-e971-5c68-81b3-0c5ccb72bdab 

World Bank. (2018). South Sudan Economic Update: Taming the Tides of High Inflation. Washington, DC: World Bank Group. Available at:  https://openknowledge.worldbank.org/entities/publication/c5f591f7-a106-54f9-a700-4c369074fa8e 

World Bank. (2020). Rwanda Systematic Country Diagnostic: Boosting Inclusive Growth and Accelerating Poverty Reduction. Washington, DC: World Bank Group. Available at:  https://openknowledge.worldbank.org/entities/publication/d6260c8f-63df-5c51-a9e6-c8e976cad379 

World Bank. (2021). Libya Economic Monitor: Navigating Uncertainty – Fall 2021. Washington, DC: World Bank Group. Available at:  https://www.worldbank.org/en/country/libya/publication/economic-update-october-2021#:~:text=Libya%20made%20significant%20progress%20towards,progress%20towards%20peace%20and%20recovery

World Bank. (2024). Syria Economic Monitor, Spring 2024: Conflict, Crises, and the Collapse of Household Welfare. Washington, DC: World Bank Group. Available at: https://openknowledge.worldbank.org/handle/10986/41599World Food Programme (WFP). (2024). Syria: Humanitarian Response and Food Security Operations. Rome: WFP. Available at: https://www.wfp.org/countries/syrian-arab-republic

اترك ردّاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *