إعداد / طارق وطفة
محامي وباحث سوري
مقدمة
تُعتبر مشاركة مختلف قوى المجتمع في العملية السياسية، من أهم متطلبات المراحل الانتقالية التي تعقب سقوط الأنظمة السلطوية. إذ تتيح هذه المشاركة فرصة لإعادة بناء النظام السياسي على أسس أكثر تشميلية وتعددية، ما قد يساعد في تحقيق استقرار النظام عبر دمج الكثيرين في شؤون الدولة[1]. إلا أن بعض الدول التي تمر بتحولات سياسية كبرى، قد تلجأ إلى فرض قيود قانونية على مشاركة بعض الأفراد أو الكيانات السياسية، وهو ما يُعرف بـ”العزل السياسي”. وهو بحسب الأمم المتحدة “تقدير مدى الاستقامة لتحديد الملاءمة للخدمة العامة”. أي أنه آلية لإصلاح مؤسسات الدولة ودمقرطتها، وبالتالي فهو أحد الركائز الأساسية للعدالة الانتقالية[2]. ويُبرَّر هذا الإجراء عادةً، بالحاجة إلى تفكيك بنى النظام السابق ومنعها من تكرار ممارساته الاستبدادية او إعاقة العملية الانتقالية. غير أن تطبيق العزل السياسي يثير إشكاليات متعددة، تتعلق بمشروعيته، ومعايير تطبيقه، وتداعياته المحتملة على الاستقرار السياسي والاجتماعي.
في سورية، وبعد سقوط نظام بشار الأسد، تبنّت السلطة الانتقالية المؤقتة عدداً من الإجراءات التي فسّرت على أنها تتصل بالعزل السياسي. منها إيقاف عدد من الموظفين العموميين عن العمل ومنحهم إجازات مدفوعة الأجر، ما أثار احتجاجات في أوساط هؤلاء الموظفين. كما صدر قرار بحل حزب البعث وأحزاب “الجبهة الوطنية التقدمية”، ومنع إعادة تشكيلها تحت مسميات جديدة[3]، في خطوة اعتُبرت من قِبل البعض ضرورية لطيّ صفحة الماضي[4]، فيما رآها آخرون إجراءً إقصائياً عاماً، لا يميّز بين من يتحمّلون مسؤولية مباشرة في انتهاكات النظام السابق، وغيرهم ممن لم يكن لهم دور فعّال فيه[5].
أثارت هذه التدابير نقاشاً واسعاً بين الأوساط السياسية والحقوقية، محلياً ودولياً، حول مدى قانونيتها، ومدى توافقها مع المعايير الدولية المتعلقة بحقوق الإنسان والعدالة الانتقالية. وفي ضوء هذا الجدل، تبرز ضرورة دراسة هذه القرارات من حيث مدى فائدتها للعملية الانتقالية السورية، ومدى توافقها مع حقوق الإنسان. وبما أن مصير الموظفين الموقوفين عن العمل لم يُحسم بعد بشكل رسمي، ستكتفي هذه الورقة بدراسة موضوع حل أحزاب الجبهة. ساعيةً إلى تقديم قراءة نقدية للقرار المتعلّق بحل أحزاب الجبهة الوطنية التقدمية، باعتباره أحد أشكال العزل السياسي، مع تحليل مدى توافقه مع المبادئ القانونية والمعايير الدولية ذات الصلة.
أولاً: العزل السياسي في النصوص القانونية والدستورية المؤسسة للعمليات الانتقالية
نصّت العديد من الوثائق الدستورية والقانونية المؤسّسة للعمليات الانتقالية على العزل السياسي صراحةً، لكنها اختلفت فيما بينها حول نطاق هذا العزل ومداه. وعموماً، تُصنَّف أنظمة العزل السياسي إلى أنظمة “الموظفين الحصرية” والأنظمة “التصالحية”.
تعني الأنظمة الحصرية تلك التي تنصّ على استبعاد المسؤولين المرتبطين بالنظام السابق من أجهزة الدولة في النظام الجديد[6]. أي حرمان المنتسبين إلى النظام السابق من حقوقهم السياسية خلال المراحل الانتقالية، لمجرد انتمائهم إليه، سواء ارتكبوا انتهاكات أم لم يرتكبوا. ومن أمثلة هذا التوجّه، قانون إدارة الدولة العراقية في المرحلة الانتقالية لعام 2004، الذي نصّ على منع أعضاء حزب البعث المنحل، من درجة “عضو فرقة” فما فوق، وكذلك منتسبي الأجهزة القمعية السابقة أو من شارك أو أسهم في اضطهاد المواطنين، من الترشح لعضوية الجمعية الوطنية[7]. كذلك، اتّبعت الوثيقة الدستورية الانتقالية في السودان النهج نفسه؛ إذ نصّت على أنه لا يجوز تعيين أيٍّ من أعضاء حزب المؤتمر الوطني أو القوى السياسية التي شاركت في النظام السابق لتمثيلهم في المجلس التشريعي الانتقالي[8].كما منعت من تولى مناصب سياسية أو دستورية خلال فترة الحكم السابق من الترشح لعضوية المفوضيات[9].
وفي السياق ذاته، صدرت في المنطقة العربية عدة قوانين تتعلّق بالعزل السياسي، من بينها قانون اجتثاث البعث في العراق، الذي وُضع تحت إشراف “بول بريمر” في عام 2003، ثم تغيّر اسمه في عام 2008 إلى قانون المساءلة والعدالة. وقد هدف هذا القانون بشكل رئيسي إلى منع عودة حزب البعث إلى الحياة العامة، إلى جانب جملة من الأهداف الأخرى، منها: محاكمة من يُدان بارتكاب أفعال جرمية، والكشف عن الأموال التي استحوذ عليها أعوان النظام وإعادتها إلى خزينة الدولة، وتمكين الضحايا من المطالبة بالتعويض عن الأضرار التي لحقت بهم جرّاء تلك الجرائم، وخدمة الذاكرة العراقية من خلال توثيق الجرائم والممارسات غير المشروعة التي اقترفها عناصر الحزب، وذلك بهدف تحصين الأجيال القادمة من السقوط مجدداً في براثن الظلم والاضطهاد[10]. ولكن في الواقع، تحوّل هذا القانون، برأي الكثيرين، إلى وسيلة انتقامية انتقائية، ترتكز بشكل خاص على المادة السادسة منه، التي نصّت على معاقبة كل من انتسب إلى الحزب، مهما كانت صفته، وكل من تعاون معه. فصارت هذه المادة سيفاً مسلطاً يهدد الناس بفقدان لقمة عيشهم، أو اعتقالهم، أو حتى تصفيتهم. علماً أن الحزب الذي حكم العراق منذ عام 1968 وحتى 2003 كان يعتبر كل العراقيين أعضاءً فيه. لذلك، كان لهذا القانون أثر بالغ على فئات واسعة من العراقيين الذين عاشوا تحت وطأة الخوف من المحاكمة والاعتقالات، والتي طالت أعداداً كبيرة منهم دون توفير ضمانات قانونية[11]. ويشير البعض إلى أن هذا القانون قد تم استخدامه كوسيلة للتطهير الطائفي، حيث إن العشوائية في تطبيقه جعلته يبدو وكأنه قانون وُضع من قِبل طائفة ضد أخرى. هذا الأمر عزز النعرات الطائفية، ودفع الجماعات التي طُبّق عليها القانون إلى حمل السلاح في وجه الحكومة، بل وأدى إلى انضمام بعضهم لاحقاً إلى تنظيم “داعش” [12].
وفي ذات المنحى، صدر قانون العزل السياسي الليبي في أيار من عام 2013، تحت ضغط الميليشيات المسلحة، مستهدفاً المسؤولين في فترة حكم القذافي. فنصّ القانون على إبعاد كل من عمل على إفساد الحياة السياسية عن الدولة، ومنع الأشخاص الذين شغلوا مناصب في الدولة أو ارتكبوا أفعالاً محددة في المادة الأولى من تولي مناصب الدولة. وقد اعتبر البعض أن دوافع المنافسة السياسية وإبعاد الخصوم كانت العامل الأساسي وراء سن هذا القانون وتطبيقه. إذ لم يستهدف أتباع القذافي فحسب، بل شمل أيضاً بعض أبرز قيادات الثورة الليبية مثل محمود جبريل، مصطفى عبد الجليل، ومحمد مغاريف الذي انشق عن النظام منذ عام 1981 وناضل لمدة ثلاثين عاماً لإسقاطه، وهو الذي انتقم النظام من عائلته باعتقال شقيقته وشقيقه لأعوام طويلة[13]. ويرى بعضهم أن هذا القانون ساهم في زيادة الانقسام المجتمعي والاقتتال الداخلي، كما تعرض لانتقادات واسعة على الصعيدين الداخلي والدولي. لذلك، قامت الحكومة الليبية بإلغائه بعد عامين من العمل به.
وعموماً، يُعاب على نهج أنظمة العزل الحصرية أنها تهدد الاستقرار والسلام، وتزيد من ما يُعرف بـ”مشاكل المخربين”؛ أي تلك القيادات التي اكتسبت شرعيتها ومكانتها بفعل الأمر الواقع الذي تفرزه الثورات المسلحة أو الحروب الأهلية، والتي قد تسعى إلى تخريب أي عملية تغيير تهدد مصالحها ومواقع نفوذها[14]. ومن جهة أخرى، يؤدي هذا النهج إلى حرمان الأجهزة الانتقالية من كفاءات إدارية مهمة، ما قد يتسبب في فشل العملية الانتقالية نفسها، خاصةً أن أغلب الدول التي تمر بمراحل انتقالية تعاني، نتيجة للممارسات الإقصائية التي اتبعها النظام السابق، من نقص حاد في الخبرات الإدارية والسياسية اللازمة لإدارة المرحلة بفعالية.
أما أنظمة الموظفين التصالحية، فتعتمد على منح الموظف فرصة ثانية، بشرط كشفه عن ماضيه والتزامه بمبادئ النظام الجديد. ففي المجر، خُيّر الموظف بين الاستقالة أو البقاء في منصبه بشرط الإفصاح عن تاريخه في ظل النظام السابق. أما في بولندا، فكان النهج أكثر تعقيداً واشتراطاً؛ إذ سُمح للموظف بالبقاء في عمله بشرط تقديم شهادة تفصيلية تكشف عن ممارسات النظام السابق. وتُنشر هذه الإفادات ليطّلع عليها الجمهور، بينما يتولى مدعٍ خاص التحقق من صدقها. وإذا ساورته الشكوك، يحيل الإفادة إلى المحكمة، التي تتولى اتخاذ القرار النهائي بشأنها. فإذا تبيّن للمحكمة أن الموظف كشف عن جميع الحقائق ذات الصلة، مُنح فرصة ثانية لتولي وظيفة عامة. أما إذا تبيّن أنه أخفى معلومات جوهرية، يُقال من منصبه ويُمنع من تولي أي وظيفة عامة لمدة عشر سنوات[15]. وفي جنوب إفريقيا، صدر قانون تأهيل الوحدة الوطنية والمصالحة رقم 34 لعام 1995، والذي منح لجان الحقيقة والمصالحة المُشكَّلة بموجبه صلاحية تحديد موعد منح الأهلية السياسية للمتهمين بارتكاب جرائم. وقد خوّل القانون هذه اللجان أن تقرّر ما إذا كان من الممكن استعادة الأهلية السياسية مباشرة بعد المحاكمة، أو بعد فترة زمنية تقدّرها اللجنة، وقد يصل الأمر في بعض الحالات إلى الحرمان النهائي من ممارسة الحقوق السياسية[16].
ويمتاز هذا الأسلوب بأنه يمكن الحكومة من الإبقاء على الموظفين المؤهلين وإرساء الشفافية وكشف الحقيقة، وتقليل الأعداء المحتملين[17]. ومن جهة ثانية فهو أكثر أساليب العزل السياسي قرباً من المعايير التي نصت عليها المنظمات الإنسانية بصدد مشروعية العزل السياسي.
ثانياً: موقف المنظمات الدولية من العزل السياسي
شرعت بعض المنظمات الدولية أسلوب العزل السياسي كآلية مهمة وضرورية لتفكيك مفاصل النظام الديكتاتوري وبناء دولة القانون والمؤسسات. فعلى سبيل المثال، أقرت الخبيرة المستقلة في لجنة حقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة، في تقريرها الصادر عام 2005 تحت عنوان “المجموعة المستوفاة من المبادئ المتعلقة بحماية حقوق الإنسان وتعزيزها من خلال اتخاذ إجراءات لمكافحة الإفلات من العقاب”، بحق الحكومات في فرض العزل السياسي. إذ نصّ المبدأ السادس والثلاثون من هذه المجموعة، المدرج تحت عنوان “ضمانات عدم تكرار الانتهاكات”, على ضرورة إصلاح مؤسسات الدولة، ومن ضمن الخطوات المحددة لتحقيق ذلك: وقف الموظفين الحكوميين المسؤولين بصفتهم الشخصية عن انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان، ولا سيما العاملين في قطاعات الجيش، والشرطة، والاستخبارات، والقضاء، من الاستمرار في الخدمة ضمن المؤسسات الحكومية[18].
لكن، وحتى لا تتحوّل قوانين العزل السياسي إلى أداة للقمع والترهيب والإقصاء تتعارض مع حقوق الإنسان، أكّدت بعض المنظمات الدولية على ضرورة اتباع ضوابط ومعايير تُقيّد السلطات الانتقالية عند سنّ هذه القوانين وتطبيقها. ويمكن الإحاطة ببعض هذه الضوابط من خلال تتبّع عدد من النصوص والقرارات التي أصدرتها منظمات دولية في هذا الشأن. فعلى سبيل المثال، اعتبرت لجنة حقوق الإنسان أن أوروغواي انتهكت الحق في المشاركة في تسيير الشؤون العامة، بموجب القانون المؤسّس رقم 4 الصادر في 1 أيلول/سبتمبر 1976، الذي جرّد جميع من ترشّحوا في انتخابات عامي 1966 و1971 من حقوقهم السياسية لمدة 15 عاماً. ما يعني أن فرض العزل على أساس جماعي يُعدّ انتهاكاً لحقوق الإنسان. وفي سياق آخر، أعلنت اللجنة الإفريقية لحقوق الإنسان والشعوب، بتاريخ 11 أيار/مايو 2000، في قضية السير “داودا كاجوارا” ضد غامبيا، أن فرض حظر شامل على المشاركة السياسية على وزراء سابقين وأعضاء في البرلمان يتعارض مع حقوقهم في المشاركة الحرة في حكم بلادهم، وهي الحقوق التي تكفلها المادة 13 من الميثاق الإفريقي لحقوق الإنسان والشعوب. واعتبرت أن منع المعنيين من جميع الأنشطة السياسية كان قراراً مجحفاً.
كذلك، سمحت المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان للديمقراطيات الناشئة، التي أعقبت أنظمة دكتاتورية، بفرض قيود محدودة على ترشّح كبار أعضاء الحزب الحاكم السابق، لكن بشرطين أساسيين؛ أن تتم القيود في فترة زمنية متناسبة مع مقتضيات الانتقال، وأن تكون خاضعة لمراجعة قضائية فعلية[19]. أي أنها اشترطت للقول بشرعية قرار العزل، أن يكون مؤقتاً، وأن يحق للمتضررين الطعن فيه أمام القضاء.
والتزمت هيومن رايتس ووتش بهذا التوجّه، في معرض تعليقها على مشروع قانون العزل السياسي الذي ناقشه المجلس التأسيسي التونسي. فقد أعلنت المنظمة: “إن الدولة التي عانت من الدكتاتورية، وهي الآن تكافح من أجل بناء مجتمعات ديمقراطية تُحترم فيها حقوق الأفراد، لديها مخاوف مشروعة من تقويض هذه الجهود على يد أشخاص يعكس سلوكهم في الماضي الطابع الإجرامي والقمعي والفاسد لتلك الدكتاتوريات. ونتيجة لذلك، هناك بعض المبرّرات لتقييد الحقوق السياسية لبعض الأشخاص المتورطين مع دكتاتورية الماضي في بداية المرحلة الانتقالية”. لكن المنظمة قيدت هذا الحق بعدد من الشروط، مضيفةً: “ينبغي أن تعكس هذه المرحلة أيضاً احترام الحقوق الفردية. ويجب ألا تكون القيود المفروضة قمعية، بل ينبغي أن تعتمد على معايير واضحة ومتناسبة، يحددها القانون، وأن تشمل عدداً محدوداً من الأشخاص ولمدة زمنية محددة، لا أن تُفرض كمنع شامل لأي نشاط سياسي”. وفي ضوء ذلك، أوصت هيومن رايتس ووتش الحكومة التونسية بـإعادة صياغة مشروع القانون، بما يحدّ من القيود المفروضة على الحقوق السياسية، وبدلاً من منع الأشخاص من الانتماء إلى أحزاب سياسية، دعت إلى إنشاء آليات فعّالة للمحاسبة على جرائم الفساد وانتهاكات حقوق الإنسان في الماضي، تتناول تلك الممارسات التعسفية بطريقة شاملة، شفافة، ونزيهة[20].
إذاً، ومن خلال دراسة هذه الآراء والأحكام، نرى أن تقييد حق المشاركة السياسية لبعض الأشخاص في الدولة يُعد أمراً مقبولاً في القانون الدولي، لكن هذا القبول مشروط بخمسة معايير أساسية:
- أن يكون القيد معقولاً وموضوعياً، كأن يهدف إلى إقصاء أفراد كانوا جزءاً فاعلاً من الأداة القمعية للنظام السابق، ويرغبون في الانضمام إلى الدولة الجديدة، أو ما زالوا يشغلون مناصب تمكّنهم من إدامة الممارسات القمعية، مما يجعلهم خطراً على ديمومة النظام الديمقراطي.
- أن يُطبَّق العزل على أساس كل حالة على حدة، من خلال تقييم دقيق لمدى الخطورة التي قد يشكّلها الشخص على النظام الجديد، واتخاذ القرار بناءً على ذلك التقييم الفردي.
- ألا يشمل الحظر جميع المناصب في الدولة، بل فقط تلك التي تتيح للفرد إمكانية ارتكاب انتهاكات. وإلا، انتفى عنصر الضرورة الذي يبرر العزل.
- ألا يكون العزل مؤبَّداً، بل يجب أن يُحدد بفترة زمنية معقولة تتناسب مع مقتضيات المرحلة الانتقالية.
- ضمان حق الشخص المتضرر في اللجوء إلى القضاء، للطعن في قرار العزل، والحصول على محاكمة عادلة وفقاً للمعايير القانونية المعتمدة.
وعليه، فإن أي إجراء عزل سياسي لا يراعي هذه المعايير، وخاصة إذا استند إلى الولاء السياسي للفرد، يُعد إقصاءً تعسفياً ينتهك حقوقه السياسية، ويحمّل الدولة المسؤولية القانونية عن هذا الانتهاك بموجب اتفاقيات حقوق الإنسان.[21]
الخلاصة:
بناءً على ما سبق، يمكن القول إن القرار المتخذ بحل أحزاب الجبهة الوطنية التقدمية، وحظر إعادة تشكيلها تحت أي اسم آخر، هو قرار متسرع وذو أثر سلبي على مسار المرحلة الانتقالية وعلى مصداقية السلطة السورية المؤقتة. فمن جهة أولى، قد يُفضي هذا القرار إلى زعزعة استقرار الدولة، عبر دفع المتضررين منه، سواء أكانوا مشمولين به عن وجه حق أو بدونه، إلى معارضة السلطة القائمة بوسائل متعددة، قد تصل إلى العنف، كما حصل في التجربة العراقية بعد اجتثاث البعث. ومن جهة ثانية، يُخالف القرار المعايير الدولية المتعلقة بالعزل السياسي، إذ حرم عدداً كبيراً من السوريين من حقهم في المشاركة السياسية بشكل دائم، حتى أولئك الذين لم يُدانوا بأي انتهاكات، ولم تكن لهم سلطة حقيقية في النظام السابق تجعل منهم تهديداً لبناء الدولة الجديدة. وبذلك، يخرج القرار عن نطاق القيود المقبولة وفق القانون الدولي، ويتحول إلى انتهاك مباشر لحقوق الأفراد المكفولة في اتفاقيات حقوق الإنسان. كما يُعد القرار مخالفة صريحة لالتزامات السلطات الانتقالية، التي أقرتها بموجب الإعلان الدستوري الصادر في 13 آذار/مارس 2025، والذي نص على أن الاتفاقيات الدولية لحقوق الإنسان التي صادقت عليها الدولة السورية سابقاً، تُشكّل جزءاً لا يتجزأ من الإطار الدستوري المؤقت. وقد صادقت الدولة السورية بالفعل على العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، الذي يضمن لكل مواطن حقه في المشاركة في إدارة الشأن العام، والترشح والانتخاب، وتولي الوظائف العامة دون تمييز. كما يكرّس هذا العهد، إلى جانب اتفاقيات أخرى، الحق في حرية التنظيم، وحرية التعبير، وحرية التجمع السلمي، التي تضمن للمواطنين حق تشكيل الأحزاب والانضمام إليها والترويج لأفكارهم بحرية.
[1] سامية صالح، المشاركة السياسية والديمقراطية اتجاهات نظرية تساههم في فهم الواقع من حولنا، كتب عربية، 2005، ص9.
[2] نادر دياب، العزل السياسي في مصر، قصر الرؤية، دراسة منشورة في موقع الاجندة القانونية، بتاريخ 4-12-2013. العزل السياسي في مصر: قصر الرؤية | Legal Agenda
[3] ماذا قال أحمد الشرع في أول خطاب له كرئيس لسوريا؟ CNN العربية ، الجمعة 31 كانون الثاني 2025. https://arabic.cnn.com/middle-east/article/2025/01/31/ahmed-al-sharaa-speech-president-syria
[4] حل أحزاب الجبهة الوطنية.. تصحيح المسار السياسي أم خطوة نحو الاستفراد؟ الترا سوريا،17 -2- 2025.
حل أحزاب الجبهة الوطنية.. تصحيح المسار السياسي أم خطوة نحو الاستفراد؟ | Ultra Syria
[5] صبحي حديدي، الجبهة الوطنية في سوريا: حُلّت الأكذوبة أم حُصرت السياسة؟ القدس العربي، 20 فبراير 2025.
«الجبهة الوطنية» في سوريا: حُلّت الأكذوبة أم حُصرت السياسة؟
[6] رومان ديفيد وهدى مزيودات، إعادة النظر في قانون العزل السياسي في ليبيا: تغير في الوجوه ام تغير في السلوك؟ سلسلة أوراق رقم 4, مارس 2014″(الدوحة: مركز بروكنجر- جامعة ستانفورد للتحولات العربية، 2014)، 6-7. Lustration-in-Libya-Arabic.pdf
[7] المادة 31 من قانون تنظيم الدولة في المرحلة الانتقالية في العراق.
[8] الفقرة 1 من المادة 23 من الوثيقة الدستورية المؤقتة في السودان لعام 2019.
[9] المادة 38. من الوثيقة الدستورية المؤقتة في السودان لعام 2019.
[10] سحر حويجي، العزل السياسي، أشكاله، ومدى أهميته في مرحلة الانتقال السياسي، المنتدى القانوني السوري، 9 اكتوبر 2018.
[11] المرجع السابق.
[12] نادر دياب، مرجع سابق.
[13] المرجع السابق.
[14] رومان ديفيد وهدى مزيودات، مرجع سابق، ص6-7.
[15] المرجع السابق، ص6-7.
[16] ابراهيم الدراجي، سوريا بدائل دستورية، منشورات الإسكوا، 2016، ص 46.
[17] رومان ديفيد وهدى مزيودات، مرجع سابق، ص6-7.
[18] نادر دياب، مرجع سابق.
[19] تونس، مشروع قانون العزل السياسي يفتح الباب للانتهاكات، المنع الكامل من المشاركة السياسية فيه تهديد للحقوق، دراسة منشورة في 13 أكتوبر 2012، الناشر غير معروف، موقع الحرة.
تونس – مشروع “قانون العزل السياسي” يفتح الباب للانتهاكات | Human Rights Watch
[20] المرجع السابق.
[21] نادر دياب، مرجع سابق.
